سوريا

أم الثورة

ابتسامة علا الجندي عريضة عندما تكون محاطة "بأطفالها" في مخيم اللاجئين. تدير معلمة المرحلة الثانوية ذات الثمانية والأربعين عاماً مدرسة أساسية في بقاع لبنان للأطفال اللاجئين من سوريا. تم بناء الغرفة الصفية باستخدام ألواح خشبية وقماش مشمع. رسومات التلاميذ معلقة في الداخل. في أحد الفيديوهات تقف علا الجندي فَرٍحة أمام مجموعة من البنات الصغيرات ذوات الضفائر المصففة بعناية أو بتسريحة ذيل الفرس. قام الأطفال بتشكيل دائرة، وراحوا يصفقون، ويدفعون بعضهم البعض، ويرددون الأناشيد وهم يقفزون هنا وهناك. إنهم يلعبون لعبة قد لا يفهمها الكبار فعلياً أبداً. لا تملك علا الجندي سوى التفاؤل لدى رؤية هذا المنظر.

ولكن ثورتنا كانت منذ البداية أكبر من حرب طائفية

هذا بينما الجندي شخص شديد الحزن. تغرورق عيناها بالدموع مراراً وتكراراً أثناء الحديث لدى تذكرها لبداية الثورة السورية في عام 2011. بدأ كل شيء بالنسبة لها في القرية التي ولدت وأمضت جزءاً كبيراً من حياتها فيها. إنها ليست بعيدة من حماة واسمها سلمية. إسم المكان مُشتق من الكلمة العربية "سلام".

لماذا لم يتمكن السوريون من الحصول على الحرية بسلام؟ هذا ما تتساءل عنه علا الجندي بلا انقطاع منذ عشر سنوات. البحث عن الإجابة سيقرر حياتها بأكملها.

كان والد علا الجندي، وهو معلم أيضاً، عضواً في الحزب الشيوعي السوري المعارض. لطالما كان الناس في سلمية يساعدون بعضهم البعض في التغلب على الصعوبات اليومية. وكواحدة من ثمانية إخوة كانت علا الجندي قد أخذت مبكراً على عاتقها أنها تريد رد شيء للمجتمع. توفرت الفرصة الحاسمة لذلك في الثامن والعشرين من شهر آذار/مارس 2011 في قريتها مباشرة. باتت المظاهرة الأولى ضد نظام الأسد في المنطقة المحيطة بحماة وشيكة. تتذكر علا الجندي: "كانت وقتها ثورة حقيقية. فلقد حاول النظام إعادة تأويل الثورة على أنها تمثل "السنيين ضد الشيعيين". تنتمي أسرتها ـ مثلها مثل باقي سكان المنطقة إلى الاسماعيلية، وهي طائفة دينية تنتمي إلى الفرع الشيعي. وبحسب أيديولوجية النظام، لا يُسمح لشخص مثل علا الجندي بالتظاهر ضد آل بشار الأسد وهو نفسه علوي شيعي. تقول الجندي: "ولكن ثورتنا كانت منذ البداية أكبر من حرب طائفية."

كان عليهن إظهار أن المظاهرات سلمية، إلا أن النظام لم يأبه لمثل هذه الإشارات

تابعت ضاحكة: "لقد أخذت طفليّ الصغيرين معي إلى المظاهرة." كان ذلك قراراً فيه مجازفة من منظور اليوم. إلا أنهم لم يعرفوا آنذاك إلى أي مدى سيذهب النظام لحماية سلطته. شعرت وقتها بأن أخذ الأطفال إلى المظاهرة أمر صائب. لم تُخفِ علا الجندي معارضتها لآل الأسد قط. قامت برفقة الطبقة المثقفة في القرية من معلمين وأطباء وصحفيين بالشرح للناس أهمية المناداة بحقوقهم الآن. تخمن علا الجندي بأن ربع سكان القرية اقتنعوا على الفور.

Illustration Syria: Demo with Flowers
وعلى نقيض قرى ومدن البلاد الأخرى، لم تطلق سلطات الأمن النار على الحشود الغاضبة في سلمية. "لقد قاموا فقط بزجنا في السجن.

" انتهى الأمر بعلا الجندي عدة مرات في السجن خلال الأشهر الستة الأولى، ومنعت في غضون ذلك من ممارسة مهنتها. تم أخذ سبعين شاباً من القرية إلى سجن المخابرات وجرى تعذيبهم. هذا فقط لأنهم شاركوا في مظاهرة ضد النظام. كانوا يرفعون رايات تحمل مطالباً لا شك في أنها تستفز كل ديكتاتور: انتخابات نزيهة، ودستور ديمقراطي، وحقوق الإنسان، وحرية الصحافة، والعدالة الاجتماعية للعمال والمزارعي ن

تقول علا الجندي: "لقد كنت مسؤولة عن منشورات الفيسبوك وعن صياغة الهتافات. كنت أمشي دائماً في المقدمة حيث ترفع الرايات وأبدأ في الغناء." هتفت بإيقاع عبر الهاتف: "الشعب السوري واحد." لهذا الهتاف باللغة العربية وقع مؤثر، ولقد كان بلا شك من المهم للسوريين التأكيد على وحدتهم في مجتمعهم غير المتجانس لدرجة كبيرة. تقول الجندي: "كانت النساء هن الأهم." كان عليهن إظهار أن المظاهرات سلمية، إلا أن النظام لم يأبه لمثل هذه الإشارات.

 كلما كررت النداء بأن على آل الأسد التنحي كلما زاد شعوري بكياني. كان ذلك شعوراً مُحررا.

قمن سوية بتنظيم إمكانية رعاية الأطفال وحرصن على أن تبقى إحدى أمهات الأسر الكبيرة أو الجيران دائماً مع الأطفال في البيت. "هكذا يبقى دائماً أحدهم مع الأطفال في حال مُتنا أو سُجنّا. ولقد انتهى الأمر برجالنا جميعاً شيئاً فشيئاً في غرف تعذيب المخابرات." جاء اليوم الذي اتُخذت فيه إجراءات أكثر صرامة في سلمية أيضاً. أراد النظام منع النساء من الخروج إلى الشوارع بأي حال من الأحوال. فمن دون النساء يمكن تسويق صورة "الإرهابيين" التي يرسمها نظام الأسد حتى اليوم للمتظاهرين السلميين آنذاك بشكل أفضل: لقد كان ذلك، ليس بلاغياً فقط، بمثابة استعداد مخطط له بدقة للحرب التي أبادت حياة مئات الآلاف بالبراميل المتفجرة، ووابل الصواريخ، والمجاعات المُدبّرة، والتهجير.

لاحظت علا الجندي لدى الإفراج عنها من سجن آخر في نهاية 2012 بأن شيئاً ما تغير: تدخل فجأة المزيد والمزيد من الأطراف الفاعلة في الأحداث في سوريا. "لفت انتباهي ظهور الكثير من التقارير الإعلامية الروسية لدي في التغذية الإخبارية على فيسبوك، ادّعت جميعها أن ثورتنا ليست مشروعة ويجب إنهاؤها. إلا أن علا الجندي كانت ما تزال تشعر برغبة في الخروج إلى الشارع. "ولقد كان ذلك شعوراً رائعاً! شعرت للمرة الأولى بأنني إنسانة. كلما كررت النداء بأن على آل الأسد التنحي كلما زاد شعوري بكياني. كان ذلك شعوراً مُحرراً."

ولكن النساء راحت بالفعل تقل دائماً من حولهم في المظاهرات. صار الوضع يوماً بعد يوم أكثر فوضوية وتشويشاً. كانت الشرطة مرة تلقي القبض عشوائياً على الرجال من على جانب الطريق وترمي بهم في صناديق شاحنات نقلكانت المركبات تنطلق مبتعدة ويختفي معها الرجال. ومرة كان بلطجية النظام يهاجمون الناس عشوائياً في بيوتهم. كانت النيران تندلع، والقناصون يتمركزون فوق الأسطحة، والطائرات الحربية تحلق فوق الرؤوس.

إلا أن علا الجندي لم تتوقف عن الإيمان بالمدينة الفاضلة المتمثلة بسوريا حرة وآمنة. "قال لي بعض من تلاميذي أن عليّ وعلى عائلتي الانتقال إلى مكان آمن." كانت قد أصبحت بنظر تلاميذها وأصدقائها وعائلتها جريئة أكثر من اللزوم إزاء الديكتاتور ذي النفوذ. وبعد أن تلقت تنبيهاً بأنها ستختطف هي نفسها من قبل النظام قامت أخيراً بالفرار مع أسرتها إلى لبنان.

تقول الجندي اليوم: "حتى ولو أن الأمر مؤلم إلا أنني أحب تذكر الأيام والأسابيع والأشهر الأولى لثورتنا." إلا أن نغمات حزينة تختلط بذكرياتها، فهي تدرك بأنها قد لا تشعر بهذه المشاعر الإيجابية ثانية قط. فالمدينة الفاضلة آنذاك ستبقى كذلك في خواطرها. تقول الجندي باستسلام: "أردت أن أهدي أطفالي بلداً أفضل. كنت أنظر للثورة عام 2011 على أنها جزء من واجب الرعاية الذي يقع على عاتقي." كانت الثورة ببساطة جزءاً من أمومتها. تؤكد علا الجندي ضاحكة: "على المرء ألا يستهين بالأمهات السوريات وقدراتهن الخارقة." تعيش الجندي اليوم بعيداً عن ابنها الذي يسكن في هذا الأثناء مع والده في السويد، وكذلك عن ابنتها التي تدرس في كندا، الأمر الذي يجعلها بدوره حزينة جداً.

Illustration: Ola communicating with her loved ones

وصلت علا الجندي في لبنان في عام 2018 رسالة من السويد. يُمكنها الآن الانتقال للعيش مع عائلتها إن رغبت بذلك. وافقت السلطات السويدية على لم شمل العائلةولكن الموافقة جاءت متأخرة عام 2018، فلقد كانت الجندي قد بدأت قبل أربعة أعوام من ذلك بتولي مسؤولية المئات من الأطفال في مخيم اللاجئين حيث تقيم. ولقد قامت عام 2014 بجمع مبلغ 2000 دولار من معارفها لتشييد مبنى المدرسة.

Illustration Syria: Giving a better future
هكذا لن تتاح للأطفال فرصة التعليم فحسب، وإنما سيحصلون هنا أيضاً على روتين يومي منظم، ودعم نفسي، وببساطة الاعتراف بهم كبشر. فمعظم الأطفال في المخيم مصدومون نفسياً، ومكسورون، بل ويعانون أحياناً من الاكتئاب. لهذا تُسَر علا الجندي كثيراً عندما يلعب أطفالها بابتهاج ولو للحظة على الأقل.

قالت بخصوص إمكانية انتقالها إلى السويد: "لا يمكنني أن أدير ظهري لهم وأذهب إلى أوروبا." هذا بالإضافة إلى كونها لا تستطيع التخلي عن سوريا. في السويد ستكون بعيدة جداً وستصبح مدينتها الفاضلة بلا شك طي النسيان. في لبنان، ليس بعيداً عن وطنها، ما زال بوسعها بطريقة ما تخيل أن كل شيء سيصبح ثانية على ما يرام. ينقطع الاتصال مع علا الجندي في منتصف الحديث. انقطعت الكهرباء في بقاع لبنان كما يحدث مراراً. مضت بعض الدقائق حتى تمكنت من تشغيل الإنترنت هناك ثانية. عندما اتصلت الجندي مرة اخرى قالت أنها توجه اللوم لنفسها أحياناً متسائلة إن كانت الثورة صائبة. ولكنها تقول أيضاً أنها والسوريون الآخرون ممن تظاهروا سلمياً آنذاك ضد النظام في سلمية وفي جميع أنحاء البلاد لم يكن لديهم بكل بساطة أي خيار آخر.

لعنة الثورة
عَقد من الثورة